العودة من القبر بقلم انجي الخطيب
بعد ما خلصنا عزا أمي، كان أبويا في الطيارة مع شريكته. في الليلة دي، موبايلي نور برسالة من رقم ماما أنا ممتش يا أمل.. تعالي المدافن.. دلوقتي. ركبت عربيتي سوقت زي المجنونة، وصلت هناك واللي شفته خلى الدم يتجمد في عروقي.....
أنا اسمي أمل، وفي الليلة اللي بعد دفنة أمي، عرفت إن الوجع مش هو أصعب حاجة ممكن البنت تحس بيها، فيه حاجات تانية بتكسر الروح أكتر. الصبح في القرافة، كنت واقفة جنب أبويا بفستاني الاسود وبسمع الناس وهي بتعدد في محاسن امي الست ليلى، وكأن الكلام هيداري سرعة موتها. ماتت ب اللي الدكاترة سموه هبوط حاد ومفاجئ، جملة باردة كانت بتخليني عايزة أصرخ في وشهم. أبويا مدمعش، كان واقف بياخد العزا بوش خشب ونظرات حادة، وعلى بليل كان فص ملح وداب. عمتي كلمتني وهي بتغلي وقالت لي إنها شافته في المطار مع نيرمين، السكرتيرة اللي أمي كانت بتقول عليها الحية اللي ضحكتها صفرا. الطرف التاني في حياته. مكملش تمن ساعات على قفلة التربة علي امي وكان طاير معاها.
كنت قاعدة لوحدي في الصالة، لافة شال أمي على كتافي وماسكة الموبايل، وعمالة أفتكر كل اللي حصل الأسبوعين اللي فاتوا. أمي كانت خايفة، بدأت تقفل باب أوضتها بالمفتاح، ومرتين قفشتها بتبص لأبويا بنظرة رعب وكأنها بتشوف كائن مظلم. قبل وفاتها بتلات أيام، مسكت إيدي وضغطت عليها وقالت لي يا أمل، لو حسيتي إن فيه حاجة غلط، إياكي تصدقي أي كلمة من أبوكي.. إياكي.
الساعة كانت 1147 بليل لما الموبايل نور.
ماما
لثانية واحدة قلبي وقف ونفسي انقطع. فتحت الرسالة وإيدي بتترعش أنا ممتش. تعالي المدافن. دلوقتي. قريتها عشر مرات، وإيدي اتخدرت. قولت
وصلت المدافن، البوابة الكبيرة كانت مواربة. مفيش أي صوت، بس شواهد الرخام منورة بضوء القمر الباهت. مشيت في الممرات الضيقة لحد قبر أمي، وكعبي بيغرس في الأرض والمطرة لسه مبللاها. ورد العزا كان متداس عليه ومتبهدل، والتراب كان شكله منكوش وكأن حد لسه حافره. وفجأة شفت خيال. ست واقفة ورا الشاهد، لابسة بالطو أسود طويل، وشها كان شاحب جداً وجسمها كله بيتنفض، وكانت ماسكة في إيدها الموبايل اللي بعت الرسالة. أول ما شافتني، خطت خطوة واحدة ناحية النور.. وبان وشها كامل تحت ضوء القمر. كانت أمي.. واقفة قدامي بلحمها ودمها.
وقفت مكاني متسمرة، رجلي لزقت في الأرض ومكنتش قادرة حتى أصرخ. المنظر كان أكبر من عقلي، أمي اللي لسه دافنها بإيدي من كام ساعة، واقفة قدامي، هدومها عليها تراب، ووشها اللي كان في الكفن أبيض زي الورقة، دلوقتي فيه روح.. روح مرعوبة. قربت مني بخطوات مهزوزة، وصوتها طلع مبحوح أمل.. متخافيش يا بنتي، أنا عايشة.. أنا ممتش. رميت مفاتيح العربية من إيدي وسألتها وأنا ببعد لورا إنتي مين؟ إنتي إيه؟ أنا دفنتك.. أنا شوفتك والتراب بيترمي عليكي!
دموعها نزلت، ومسكت إيدي بصباعها اللي كان لسه فيه أثر الحنة، وقالت لي بهمس يقطع القلب أبوكي.. أبوكي كان بيسقيني حاجة في العصير كل يوم.. مكنتش بموت، كنت بتشل.. نبضي بيقف لدرجة الدكاترة ميعرفوش
جسمي كله كان بيتنفض، الحقيقة كانت أبشع من الموت نفسه. سألتها وأنا بحاول أستوعب وعم صابر فين؟ وليه مكلمتنيش علطول؟ ليه بعتي رسالة وجبتيني هنا؟ أمي بصت حواليها برعب، وقالت لي بصوت واطي عم صابر خبيته في أوضته جوه المدافن، بس أبوكي مش لوحده يا أمل.. نيرمين وجماعتها مراقبين البيت ومراقبينك.. لو كنت ظهرت في البيت كان زماني دلوقت ميتة بجد.. اسمعيني، إحنا لازم نمشي من هنا حالا، قبل ما حد فيهم يعرف إن ليلى رجعت.
لسه بنلف عشان نجري ناحية العربية، سمعنا صوت فرملة جامدة ورا بوابات المدافن.. كشافات عربية عالية نورت المكان كله، وصوت قفل الأبواب وهو بيترزع حسسني إن الدنيا بتتقفل في وشنا. أمي مسكت دراعي لدرجة إن ضوافرها غرزت في لحمي وهمست بكلمة واحدة خلت قلبي يقع في رجلي وصلوا.. هما وصلوا يا أمل!
نور الكشافات كان عالي لدرجة إني غمضت عيني، وصوت خطوات جزمة كلاسيك كانت بتقرب مننا.. خطوات واثقة ومنتظمة. أمي سحبتني ورا شاهد قبر كبير، وكتمت نفسي بإيدها وهي بتترعش. من ورا الرخام، شوفت خيال طويل بيقرب.. كان أبويا. مكنش في المطار ولا حاجة، كان لابس بدلة سودة وشيك، وجنبه نيرمين اللي كانت بتعدل شعرها ببرود مرعب.
أبويا وقف قدام القبر المفتوح، وبص في الساعة وقال ببرود تفتكري عم صابر لحق يخلص المهمة ولا لسه؟ أنا مش عايز أثر لليلى في المكان ده خالص.. التربة دي لازم تتسوى بالأرض.
أبويا ولع سيجارة، وقال أمل تحت عيني، زمانها دلوقتي نايمة في شقتها من كتر المهدئات اللي حطيتها لها في الشاي.. الصبح هفهمها إننا لازم نبيع الشقة وننقل، وهتاخد مبلع ينسيها كل حاجة. أمي لما سمعت الكلام ده، كانت هتصرخ، بس أنا ضغطت على إيدها وبوست راسها عشان تسكت. فجأة، موبايل أبويا رن. رد وصوته اتغير تماماً، بقى فيه قلق إيه؟ مش موجودة في الشقة؟ يعني إيه عربيتها مش قدام البيت؟ بص لنيرمين بعيون زي الدم وقال لها أمل مش في البيت.. البت دي لو جت هنا وشافت حاجة، هنروح كلنا في داهية!
بدأوا يلفوا بالكشافات في كل حتة، والنور بدأ يقرب من المكان اللي إحنا مستخبيين فيه. أمي همست في ودني وهي بتنهج المفتاح معاكي؟ هزيت راسي أيوة. أشارت لي على ممر ضيق ورا المدافن وقالت لي بصوت ميت من الرعب ده بيطلع على السور الوراني.. لو وصلنا للعربية قبل ما يشوفونا، هنعرف نهرب.. لو شافونا، المرة دي النهاية بجد.
بدأنا نتحرك ببطء، وفجأة.. كعب جزمتي خبط في صفيحة كانت مرمية على الأرض، وعملت صوت رنة عالية. أبويا وقف مكانه، ووجه نور الكشاف ناحيتنا بالظبط وزعق بصوت هز المكان مين هناك؟!
نور الكشاف ضرب في عيني، ولقيت نفسي قدام أبويا وش لوش. اللحظة دي كانت أصعب من الموت، أبويا بيبص لي بصدمة، وبعدها عينيه راحت على الخيال اللي واقف ورايا.. أول ما شاف أمي، السيجارة وقعت من بقه ووشه بقى أصفر تماماً، ورجله خانته ورجع خطوتين لورا. نيرمين صرخت