حساب قديم بقلم انجي الخطيب
هو ده مكسبي الوحيد، هو ده السند اللي بجد.
بصيت من العين السحرية، شوفتهم وهما ماشيين في الممر، ضهرهم محني، وخطواتهم تقيلة، شايلين شنطهم الفخمة اللي مكنتش قادرة تداري فقر مشاعرهم. في اللحظة دي بس، حسيت إن السلسلة اللي كانت رابطاني بيهم اتقطعت للأبد.
دخلت المطبخ وبدأت أحضر الغدا لياسين وأنا بدندن أغنية كان بيحبها، وكأن جبل كان كابس على نفسي وانزاح. هما اختاروا الفلوس والواجهة، وأنا اخترت ابني.. والنهاردة، الحساب اتقفل تماماً.
ياسين بص لي وهو بيضحك وقالي ماما، إنتي بتغني؟ بقالك كتير مكنتيش بتغني وإحنا بنحضر الأكل.
ضحكت من قلبي وقلتله أصل النهاردة يوم مميز يا بطل، النهاردة عيد ميلاد حريتنا. مكنش فاهم قصدي، بس ضحك لضحكتي وكمل رص الأطباق على السفرة. وإحنا بناكل، الموبايل فضل ينور برسايل من نورهان أختي، كلام من نوعية إزاي تعملي كدة في بابا وماما؟ وهما كبروا ومحتاجين رعاية صحية وإنتي عارفة إن جوزي خسر فلوسه في البورصة ومبقاش معانا نصرف عليهم.
رميت الموبايل في الصالة وكملت أكلي ببرود محستهوش في حياتي. فكرت في نورهان اللي كانت بتتفرج عليا وأنا بتبهدل في المواصلات عشان أوفر مليم لعلاج ابنها، وكانت بتبعتلي صور فستان فرحها اللي بتمنه كان ممكن ينقذ ياسين في ثانية. دلوقتي جاية تدور على رعاية؟ دلوقتي افتكروا إن ليهم بنت كبيرة تشيل الشيلة؟
قمت وقفت قدام المراية، شوفت ست تانية خالص غير ليلى
بليل، وياسين نايم في حضني، فتحت الشباك وبصيت للسما. الهوا كان بارد ومنعش، كأنه بيغسل روحي من آخر نقطة وجع. مسكت الموبايل وعملت بلوك لكل الأرقام اللي بتفكرني بالماضي.
النهاردة بس عرفت معنى الجملة اللي أبويا قالهالي زمان الأفعال لها عواقب. وفعلاً، فعلهم بالظلم كان عاقبته الوحدة، وفعلي بالصبر كان عاقبته ابني اللي مالي عليا الدنيا. نمت ليلتها أعمق نومة نمتها من سنين، وأنا عارفة إن بكره بتاعي أنا وبس.
صحيت تاني يوم الصبح على صوت ياسين وهو بيفتح الستائر، النور دخل الأوضة وكأنه بيطرد آخر خيال ليهم من حياتي. فطرت معاه ونزلته مدرسته، وفي طريقي للشغل، حسيت بخفة غريبة في رجلي، مكنتش ماشية خايفة من بكرة ولا شايلة هم نظرة عتاب من حد.
بعد يوم طويل، رجعت لقيت رسالة محطوطة تحت عقب الباب. كانت ورقة من أمي، مكتوبة بخط إيد مرعوش ليلى، أبوكي تعبان بجد، والكاترة بيقولوا محتاج جراحة قلب مفتوح. إحنا ممعناش السيولة الكافية دلوقتي، وأختك نورهان باعت دهبها كله عشان تسدد ديون جوزها. إنتي بنتنا الكبيرة، والضفر مبيطلعش من اللحم.
مسكت الورقة، وقعدت على الكنبة وأنا بفتكر الطبيب في القصر العيني وهو بيقولي خمسة وتمانين ألف.. الليلة.
افتكرت ذلي، وافتكرت الرخام اللي كان
طلعت القلم من شنطتي، وقلبت الورقة وكتبت عليها جملة واحدة بس
الضفر فعلاً مبيطلعش من اللحم، بس اللحم اللي بيموت بيبقى حمل تقيل ولازم يتشال عشان الجسم يعيش. وزي ما علمتوني.. الأفعال لها عواقب، وجراحة القلب محتاجة قلب في الأول عشان يحس.
نزلت وحطيت الورقة في صندوق البريد بتاع العمارة عشان البواب يوصلها ليهم لما ييجوا تاني. دخلت بيتي، وقفلت بابي، وشغلت التليفزيون لياسين وقعدت جنبه. مكنتش حاسة بشماتة، كنت حاسة بسكينة مرعبة.. السكينة اللي بتيجي بعد ما الواحد ياخد حقه تالت ومتلت من الدنيا.
ياسين بص لي وقالي ماما، إنتي كويسة؟
بسته من راسه وقلتله أنا عمري ما كنت أحسن من دلوقتي يا قلب ماما.
الحكاية مخلصتش بوجع، هي خلصت بإن كل واحد رجع لمكانه الطبيعي. هما في وحدتهم مع فلوسهم اللي خلصت على المظاهر، وأنا في حضن ابني اللي تمنه ميتدفعش بكنوز الدنيا.
عدى شهر على آخر ورقة بعتّها، والحياة استقرت تماماً. مكنتش مستنية أشوف هيعملوا إيه، ولا كنت مهتمة أعرف أبويا عمل العملية ولا لأ.. اللي بيزرع شوك مبيحصدش ورد، واللي قسى قلبه على ضناه وهو بيموت، ملوش حق يطلب الحنية لما يمرض.
في يوم، وأنا راجعة من الشغل، شوفت نورهان أختي واقفة بعيد قدام العمارة، كانت مبهدلة، ملامحها اللي
وقفت مكاني، متهزتش، ولا دمعة واحدة نزلت من عيني. بصيت لها بهدوء غريب وقلت لها الله يرحمه.. بس اللي بيموت وهو بينطق اسم حد كان ظالمه، مبيكونش بيطلب سماح، بيبقى بيحاول يهرب من ذنبه في آخر لحظة.
نورهان اتصدمت من برودي وقالتلي بصوت بيترعش إنتي إيه؟ قلبك بقى حجر كدة إمتى؟ ده أبوكي!
رديت عليها وأنا بكمل طريقي للبيت قلبي مابقاش حجر، قلبي بس بقى رخام زي صوته في الليلة اللي ياسين كان بيموت فيها. روحي يا نورهان، كملي حياتك اللي اخترتيها، وخلّي الفرح اللي صرفتوا عليه الألوفات ينفعك دلوقتي.
طلعت شقتي، دخلت المطبخ، وبدأت أجهز الغدا لياسين كأن مفيش حاجة حصلت. ياسين دخل عليا وبص في عيني، كأنه حس بحاجة، وسألني ماما، إنتي زعلانة؟
مسكت إيده وبستها وقلتله لأ يا حبيبي، أنا بس كنت بخلص آخر صفحة في حكاية قديمة كانت وجعاني.. والنهاردة الكتاب اتقفل للأبد.
بليل، وقفت في البلكونة وبصيت للشارع الزحمة، حسيت براحة مكنتش أتخيل إنها موجودة. الظلم فعلاً دين، والدنيا دي سلف ودين، والحمد لله إني عيشت لحد ما شوفت
حقي بيرجعلي من غير ما أمد إيدي بظلم لحد.
قفلت الشباك، طفيت النور، ورحت نمت جنب ياسين.. السند الحقيقي، والذكرى الوحيدة اللي تستاهل أعيش
تمت
بقلم انجي الخطيب