حساب قديم بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

لسه صوت ابني بيرن في ودني من الليلة دي، صوت ضعيف ومرعوش من ورا ماسك الأوكسجين وهو بيسألني ماما.. أنا هموت؟.
ياسين كان عنده 9 سنين، شقاوة الدنيا فيه، مبيفصلش أسئلة، ومن نوع العيال اللي لازم ينام ورجله برا الغطا عشان كان بيقول عشان أبقى مستعد لأي مغامرة. قبلها بساعتين بس كان صوته مالي العربية ضحك وهو راجع من تمرين الكورة، وفجأة سواق سكران كسر الإشارة ودخل في جنب العربية الهوندا القديمة بتاعتي، وفي لحظة كل حاجة اتطفت.
في طوارئ القصر العيني، الدنيا كانت بتجري بسرعة مرعبة وفي نفس الوقت الوقت واقف. الممرضات سحبوه مني وجريوا بيه، ولقيت دكتور ملامحه تعبانة سحبني على جنب عند مكنة القهوة وكلمني بنبرة باردة، النبرة اللي بيستعملوها لما يكونوا حفظوا شكل المصايب. ياسين عنده نزيف داخلي، محتاج عملية فورية ونقل دم، وأنا تأميني كان خلصان من شهر بعد ما سيبت شغلي في الشركة واشتغلت بارت تايم في مطعم عشان أصرف على البيت. كنت يدوب بكفي بالعافية بين إيجار ومصاريف، وبقول لنفسي الشهر الجاي الدنيا هتظبط.
الدكتور بص في عيني وقالي المستشفى محتاجة موافقة دفع ومصاريف مبدئية للجراحة وبنك الدم.. 85 ألف جنيه. الليلة دي يا فندم.
وقفت قدامه وبلمت، كأنه بيتكلم لغة تانية مكنتش فاهماها. بدأت أكلم كل اللي أعرفهم، طليقي علاء كان في محافظة تانية وأصلاً

مبيبعتش نفقة، وصحابي كل واحد طلع اللي يقدر عليه، ميات بسيطة متعملش حاجة. مكنش قدامي غيرهم.. كلمت أبويا وأمي. أمي ردت ولما سمعت صوتي بعيط وبشهق إدت التليفون لأبويا.
قلتله يا بابا أبوس إيدك.. ياسين بيموت ومحتاج عملية حالاً.
سكت شوية، وبعدين رد بصوت ناشف زي الحجر إحنا مش هندفع ثمن غلطاتك.
حسيت إني مسمعتش صح، قلتله ده حفيدك يا بابا!.
رد بمنتهى القسوة إنتي اللي اخترتي العيشة دي، اخترتي الجوازة دي والطلاق ده والشغل ده.. كل واحد بيشيل شيلة قراراته.
قعدت أتحايل وأتذلل، أمي دخلت في الخط عشان تقول جملة واحدة مش هنفضل طول عمرنا نلحقك من ورطتك يا ليلى، وقفلوا السكة في وشي.
في ليلتها، بعت عقد العربية لواحد تاجر خردة في ركن المستشفى بتراب الفلوس، مضيت على وصلات أمانة مكنتش شايفة هي بكام، واستلفت من طوب الأرض، وبطريقة ما دخلت ياسين العمليات قبل نص الليل بشوية. ياسين عاش، بس الديون مسبتنيش في حالي، كانت بتاكل فيا كل يوم.
بعد تلات سنين، كنت واقفة في قاعة أفراح فخمة، وأبويا وأمي ماسكين المايك وبكل فخر بيحكوا للناس إزاي صرفوا 230 ألف جنيه على فرح أختي الصغيرة نورهان. في اللحظة دي، حسيت إن الجرح اللي في قلبي اللي كان بينزف سنين، نشف واتحول لكتلة تلج.
بعد خمس سنين من اليوم ده، في يوم سبت والشمس طالعة، لقيتهم واقفين قدام باب بيتي،
بيضحكوا بكل ثقة وكأننا عائلة مثالية في إعلان.
فتحت الباب تاني بالراحة، مش عشان أدخلهم، بس عشان أشوف نظرة الصدمة اللي في عينيهم وهي بتتحول لذهول. أبويا كان لسه رافع إيده اللي كانت بتخبط، ملامحه اللي كانت متعودة تآمر وتنهي اتلخبطت، وأمي كانت ماسكة شنطتها الشيك وبتبص لدهان الشقة المتواضع بقرف مداري.
أبويا اتنحنح وقال بصوت حاول يخليه حنين بس كان طالع غريب عليه إيه يا ليلى؟ مش هتقولي لنا اتفضلوا؟ إحنا جينا نصفي النفوس، العمر بيجري يا بنتي وإحنا ملناش غير بعض.
ضحكت ضحكة مكتومة، ضحكة وجع قديم مبردش، وقلتله ملناش غير بعض؟ الكلمة دي كانت فين والواد بيموت بين إيدي؟ ولا كانت فين وإنتوا بترموا مئات الألوف تحت رجلين أختي عشان ليلة ومنظرة قدام الناس؟ أمي حاولت تقرب وتلمس كتفي وهي بتقول يا حبيبتي إحنا كنا بنعلمك تعتمدي على نفسك، وبعدين إنتي عارفة إن جواز أختك كان واجهة للعيلة..
شيلت إيدها من على كتفي بهدوء مرعب وقلت لها الواجهة اللي تتبني على جثة حفيدكم متلزمنيش. أنا لا نسيت صوت ياسين وهو بيترعش، ولا نسيت ذلي قدام باب المستشفى وإنتوا بتقفلوا السكة في وشي. أنا النهاردة مش ليلى الغلبانة اللي بتدور على رضاكم، أنا النهاردة الأخطاء اللي رفضتوا تدفعوا ثمنها، وقررت أعيش بيها بعيد عنكم.
في اللحظة دي ياسين خرج من الأوضة، بقى طوله يجنن
وصحته زي الفل، بص لهم باستغراب وقال ماما، مين دول؟ بصيت له وابتسمت أجمل ابتسامة عندي، وقلت له بنبرة واضحة عشان يسمعوها كويس محدش يا حبيبي، دول ناس تاهوا في العنوان، وخلصوا زيارتهم خلاص.
وقبل ما ينطقوا بكلمة واحدة، قفلت الباب بالمفتاح والترباس، ولأول مرة من سنين، حسيت إني مش محتاجة أعيط، ولا محتاجة أسأل ليه؟. أنا كسبت ابني، وهما خسروا كل حاجة، حتى حق إنهم يشوفوا ضحكته.
سمعت صوت أبويا من ورا الباب وهو بيحاول يفتح الأكرة بعصبية، صوته كان عالي وبدأ يتحول لنبرة التهديد اللي كنت بخاف منها زمان افتحي يا ليلى متبقيش قليلة الأصل! إحنا كبرنا ومحتاجينك، وبعدين إنتي ناسية إن الشقة اللي إنتي قاعدة فيها دي لسه باسمي؟
وقفت ورا الباب، ملمستش الأكرة، وبكل هدوء رديت الشقة دي أنا دفعت تمنها من دمي وتعييني اللي بعته عشان أسدد ديون العملية والوصلات، وإنت اللي مضيت لي على تنازل وقتها عشان كنت خايف الديانين ييجوا يخبطوا على بابك إنت.. ناسي يا بابا؟
الصوت فجأة انقطع.. السكوت اللي ساد كان أبلغ من أي كلام. سمعت شوشرة وخطوات أمي وهي بتسحب أبويا وبتقوله بصوت واطي ومرعوش يلا نمشي يا جابر، البنت دي قلبها حجر، مش هي ليلى اللي نعرفها.
بصيت لياسين اللي كان واقف بيتفرج بدهشة، قربت منه وحضنته بكل قوتي، شميت ريحة شعره اللي كانت بتفكرني بريحة الحياة
اللي رجعتلي بسببه.
تم نسخ الرابط