فخ التعابين بقلم انجي الخطيب بقلم انجي الخطيب
ورميت له شنطته على الرصيف وقلت له الساحل فعلًا هادي قوي يا حازم، ابقى فكر في هدوئه وإنت بتدور على حد يوصلك، أو وإنت بتشرح لفوزية هانم إن الهبلة اللي كانت ماشية ورا قلبها، هي اللي ضيعت من إيدكم كل حاجة. دورت العربية وسبته واقف مكانه مش مصدق، وأنا في عيني لمعة تانية خالص، لمعة حد لسه مخلصش حسابه للاخر.
رجعت البيت وأنا جوايا راحة غريبة، كأني كنت شايلة جبل ونزل من على كتافي، بس اللعب مع فوزية مكنش لسه خلص، دي ست زي الحية مابتسيبش حقها بسهولة. أول ما دخلت شقتي اللي هي مابقتش بتاعتي خلاص، لقيت الموبايل مابيبطلش رن، فوزية كانت بتتصل بيا وصوتها في التليفون ملهوف نيرمين يا حبيبتي، حازم فين؟ موبايله مقفول وكلمت الأتيليه قالوا إنكم مروحتوش هناك!
رديت عليها بصوت فيه تمثيلية عياط محترمة الحقيني يا طنط! حازم قالي إنه عنده مشوار شغل مهم وسابني في نص الطريق ونزل، وقالي إنه محتاج يبعد شوية عشان بيفكر في موضوع الشقة والورق.. أنا خايفة عليه قوي يا طنط! فوزية صوتها اتغير وبقى حاد يعني إيه سابك؟ وإنتي فين دلوقتي؟ قلت لها ببرود وأنا ببتسم للمراية أنا في بيتي يا طنط، مستنية المحامي يخلص ورق التنازل اللي حازم طلبه، بس دلوقتي أنا بدأت أقلق، هو ممكن يكون غير رأيه في الجوازة؟
طبعاً فوزية أول ما سمعت سيرة ورق التنازل ريقها جري، وقالت لي لا يا حبيبتي، أكيد ده ضغط فرح، أنا جاية لك حالاً، متعمليش أي حاجة لحد ما أجيلك. قفلت معاها وقمت جهزت الواجب اللي يليق بمقامها.
بعد ساعة، الجرس ضرب، فتحت لقيتها داخلة زي العاصفة، وشها كان مخطوف بس عينيها بتدور في الشقة كأنها بتعاين ملكيتها الخاصة. فين الورق يا نيرمين؟
طلعت لها ظرف مقفول وقلت لها الورق أهو يا طنط، بس حازم قالي إنه مش هيمضي عليه إلا لو إنتي كمان مضيتي كشاهدة، عشان يضمن إن العيلة كلها موافقة. فوزية مسكت القلم بلهفة ومضت من غير ما تقرأ حرف واحد، كانت فاكرة إنها بتمضي على ورقة تنازل عن الشقة، بس الحقيقة إنها كانت بتمضي على إقرار بدين بمبلغ خيالي، كنت محضرلاه بذكاء من واقع حسابات قديمة كنت عارفاها عن تجارة والد حازم الله يرحمه.
أول ما حطت القلم، وشها اتغير لما شافتني بضحك ضحكة عالية ومن قلبي، قلت لها مبروك يا فوزية هانم، مضيتي على وصل أمانة ب 2 مليون جنيه، تعويض عن سنين التعب اللي ضيعتها مع ابنك النصاب. فوزية قامت وقفت وصوتها طلع زي فحيح الحية إنتي بتقولي إيه يا بت إنتي؟ إنتي اتجننتي؟
في اللحظة دي الباب خبط، دخل حازم وهو مبهدل، لبسه عليه تراب وشعره منكوش، ووشه باين عليه إنه مشي كيلومترات على الطريق. أول ما شاف أمه صرخ فيها الحقينا يا ماما! نيرمين عرفت كل حاجة.. نيرمين ضيعتنا!
بصيت لهم هما الاتنين وقلت بمنتهى الثبات الخطة اللي كنتم راسمينها عشان ترموني في المصحة، هي هي اللي هتوديكم ورا القضبان، أنا عندي تسجيلات، وعندي ورق يمضيكم على بياض، وعندي صور لكل تلاعب عملتوه.. دلوقتي بقى يا حازم إنت ووالدتك، عندكم حل من اتنين يا إما تختفوا من حياتي تماماً وتسيبوا البلد دي، يا إما البلاغ اللي جاهز في إيدي يتقدم حالاً، وتكملوا بقية حياتكم في زنزانة واحدة، أظن كدة هتبقوا مع بعض علطول زي ما كنتم عاوزين
فوزية وحازم بصوا لبعض والذهول لجم لسانهم، كأنهم شافوا عفريت، فوزية حاولت تستعيد جبروتها وزعقت بصوت مرعوش إنتي فاكرة
ضحكت ببرود وطلعت الموبايل وبدأت أعد تنازلي عشرة.. تسعة.. ثمانية.. بالمناسبة يا طنط، الفيديو اللي صورته وإنتي بتمضي على وصل الأمانة وإنتي بكامل قواكِ العقلية وبتقولي أنا همضي على أي حاجة عشان نخلص بقى مع المحامي بتاعي دلوقتي، يعني لو قلتي إنك كنتي مضغوط عليكي، الفيديو هيثبت إنك كنتي بتمضي بقمة السعادة عشان تسرقيني.
حازم وقع على الكرسي وحط راسه بين إيديه وهو بيعيط زي العيال الصغيرة خلاص يا نيرمين.. إحنا خسرنا، قولي لنا عاوزة إيه وهنعمله، بس ابعدي عننا البوليس.
بصيت لهم بقرف وقلت مش عاوزة أشوف وشكم في مصر كلها، حازم يقدم استقالته فوراً، وإنتي يا فوزية هانم تلمي شنطك وتروحوا تعيشوا في أي حتة تانية، والاتنين مليون جنيه بتوع وصل الأمانة دول هتبرع بيهم لجمعية خيرية بتعالج الناس اللي بجد تعبانين نفسياً.. عشان أثبت لكم إن الفلوس اللي كنتم هتموتوا عليها، متهمنيش في بصلة.
خرجوا من البيت وهما بيجروا أذيال الخيبة، وشفتهم من البلكونة وهما بيزعقوا لبعض في الشارع وكل واحد بيحمل التاني مسؤولية المصيبة اللي وقعوا فيها. دخلت شقتي، بصيت للفستان الأبيض اللي كان محطوط على السرير، مسكته وبكل هدوء قصيته ميت حتة ورميته في الزبالة، مكنتش زعلانة، كنت حاسة إني اتولدت من جديد.
صبيت لنفسي كاس عصير وقعدت قدام النيل وأنا بتنفس حرية لأول مرة، التليفون رن، كان المحامي بيقول لي إن إجراءات سفر برة كملت وإن حسابي الجديد جاهز. ابتسمت وقفلت الموبايل، وعرفت إن أحلى انتقام مش إنك تدمر اللي قدامك وبس، لا، أحلى انتقام إنك تعيشي حياتك وتنجحي وتكوني سعيدة وهما بيتحرقوا بنار
دي كانت نهايتي معاهم، بس كانت بداية حكاية نيرمين الجديدة، الست اللي مفيش حد يقدر يكسرها تاني.
بعد ما قفلت مع المحامي، قمت لميت شنطة صغيرة فيها أهم ورقي وذكرياتي الحقيقية، وبصيت للشقة بابتصة رضا.. الشقة اللي هما كانوا هيموتوا عليها، خلاص بقت ملك ناس تانية هيملوها حب بدل الغل اللي كان هيدخلها.
نزلت من العمارة بخطوات واثقة، ولقيت سواق التاكسي مستنيني، ركبت وطلبت منه يطلع على المطار. طول الطريق كنت ببص من الشباك على شوارع القاهرة، وحسيت إن الهوا بقى أخف، والزحمة مابقتش تضايقني.. كأني كنت في سجن وفتحت بابه بنفسي.
قبل ما أدخل صالة المطار، جالي رسالة على الموبايل من رقم مجهول، كانت من حازم، كاتب فيها إنتي دمرتينا يا نيرمين، أمي جالها جلطة خفيفة ومبقتش تنطق، والناس كلها عرفت فضيحتنا، ارتاحي بقى.
مسحت الرسالة وعملت للرقم بلوك وأنا بضحك بمرارة.. مكنش فيه أي ذرة شفقة في قلبي؛ اللي يزرع شوك يحصد جراح، وهما زرعوا في طريقي غدر كان هينهي حياتي في زنزانة ضلمة تحت مسمى مصحة.
وقفت قدام لوحة المواعيد، وبصيت لطيارتي اللي فاضل عليها ساعة، طلعت باسبوري وتذكرتي، وحسيت بلمعة الخاتم اللي لسه في إيدي.. قلعته ورميته في أقرب سلة زبالة من غير ما أبص ورايا.
دخلت
المطار وأنا رافعة راسي، وفي قلبي يقين إن الدنيا لسه فيها خير، بس الخير ده مش بيجي غير للي بيعرف ياخد حقه بدراعه وعقله. الطيارة طلعت، وأنا من فوق السحاب شفت أنوار المدينة بتصغر وتصغر، ومعاها صغرت كل همومي.
غمضت عيني وسمعت صوت المضيفة وهي بتقول نتمنى لكم رحلة سعيدة.. ابتسمت من قلبي وقلت لنفسي فعلاً يا نيرمين، دي أسعد رحلة في عمرك
تمت
بقلم انجي الخطيب