جبروت اهلي بقلم انجي الخطيب
الأيام اللي بعدها كانت عبارة عن حرب باردة. ماما كانت بتبعت لي رسايل كلها عياط وتمثيل "يا بنتي إحنا بنحبك، إنتِ فهمتي كلامنا في لحظة ضيق غلط"، وبابا كان بيبعت تهديدات مستترة بإن "مليش حد غيرهم ومحدش هيشيلني غيرهم". أما سليم، فكان بيبعت رسايل استعطاف عن وجعه وتأنيب الضمير.. بس ولا كلمة منهم لمست قلبي.
يوم خروجي من المستشفى، وقفت قدام المراية وبصيت لوشي الشاحب، بس عيني كانت فيها لمعة مكنتش موجودة قبل كدة. ركبت عربية خاصة طلبتها، ومن غير ما أبص ورايا، روحت لشقة كنت مأجراها من وراهم من فترة طويلة كنوع من أنواع الاستقلال اللي كنت بحلم بيه ومكنتش عارفة إنه هيكون طوق نجاتي.
فتحت الموبايل وعملت "بلوك" لكل أرقامهم. في اللحظة دي، حسيت إن الكلية اللي فقدتها كانت تمن بسيط جداً مقابل الحرية اللي كسبتها. الحادثة مكنتش نهاية العالم، كانت الزقة اللي خلتني أخرج من القفص الدهبي اللي كانوا حابسيني فيه عشان ينهشوا فيا براحتهم.
قعدت على الكنبة، شربت قهوتي في صمت، وابتسمت.. فريدة القديمة ماتت في الحادثة، وفريدة الجديدة لسه بتبدأ أول سطر في حكايتها، وبشروطها هي وبس.
***********'*******
مرت كام يوم وأنا في الشقة الجديدة، كنت لسه بحس بنغزات الوجع في جنبي، بس الوجع ده كان بيفكرني كل لحظة إني حرة، وإني خلاص مابقتش ملك لحد. وفي يوم، وأنا قاعدة براجع حساباتي البنكية اللي بدأت التعويضات تنزل فيها،
"آنسة فريدة، أنا آسف إني بكلمك، بس لازم تعرفي إن سليم أخوكي حالته اتدهورت جداً، وهو دلوقتي في الرعاية المركزة.. باباكي ومامتك قالبين الدنيا وبيدوروا عليكي في كل حتة."
قفلت السكة من غير ما أرد. قلبي مدقش ولا دقة زيادة، مكنش فيه خوف ولا حتى شماتة، كان فيه "فراغ". قومت وقفت قدام الشباك وبصيت لشوارع القاهرة والزحمة، وافتكرت مامي وهي بتقول "حياة سليم أهم". دلوقتي سليم بيواجه نتيجة استهتاره، وهما بيواجهوا نتيجة طمعهم.
فجأة، جرس الباب رن. قلبي انقبض.. مين عرف مكاني؟ بصيت من العين السحرية، كان بابا. واقف وشاحب، وباين عليه إنه كبر عشر سنين في يومين. فتحت الباب بس سبت السلسلة محطوطة.
"عايز إيه يا بابا؟" قولت الكلمة ببرود لدرجة إني استغربت نفسي.
بدأ يتكلم بصوت مرعوش: "فريدة، أرجوكي.. أخوكي بيموت، إحنا مستعدين نعمل أي حاجة، هكتب لك الفيلا باسمك، هعوضك عن كل مليم، بس تعالي انقذيه.. الدكتور قال إنك الأمل الوحيد لسرعة المطابقة."
ضحكت ضحكة مكتومة، ضحكة وجع ممزوجة بسخرية: "الفيلا؟ إنت لسه فاكر إن كل حاجة بتشترى بالفلوس؟ إنت جيت هنا عشان تنقذ ابنك، ولا عشان خايف على 'اسم العيلة' اللي سليم شايله؟".
"فريدة، ده أخوكي.. من دمك!" زعق فيا وهو بيحاول يكسر هدوئي.
قربت من فتحة الباب وقولتله بكلمات زي الرصاص: "أخويا
قفلت الباب في وشه، وسندت ضهري عليه وأنا بتنفس بعمق. سمعت صوته وهو بيخبط وبيدعي عليا مرة وبيترجاني مرة، لحد ما صوته اختفى تماماً ومشي.
دخلت أوضتي، فتحت اللابتوب، وبدأت أخطط لمستقبلي بره مصر خالص. كنت محتاجة بداية جديدة، في مكان ميعرفش فيه حد اسم "فريدة كارتر" ولا يعرفوا فيه القصة البشعة دي. مسكت صورة قديمة لينا وإحنا صغيرين، وقطعتها ميت حتة ورميتها في الزبالة.
النهاردة بس، قفلت باب الماضي بالترباس، وعرفت إن الحياة لما بتديك فرصة تانية، بتبقى عشان تعيشها لنفسك، مش عشان تكون ضحية لغيرك حتى لو كانوا أقرب الناس ليك. فريدة كارتر سافرت، وسابت وراها عيلة بتتحرق بنار أفعالها، وبدأت حياة جديدة.. حرة، وقوية، ومن غير أي قيود.
*******************
بعد شهرين، كنت واقفة في مطار القاهرة، شنطة سفر واحدة في إيدي، وباسبور جديد، وحياة تانية خالص مستنياني ورا البحار. بصيت ورايا لآخر مرة، مش ندم، لكن كأني بودع جثة حد كنت أعرفه زمان.
عرفت قبل
فتحت موبايلي وبصيت على آخر رسالة جاتلي من سليم، كانت كلمة واحدة: "سامحيني".
مسحت الرسالة وعملت فورمات للموبايل كله. السماح ده رفاهية هما ميستحقوهاش، والنسيان هو العقاب الوحيد اللي يليق بيهم.
لما ركبت الطيارة وربطت الحزام، وحسيت بالطيارة وهي بتترفع عن الأرض، حسيت بتقل في صدري بيزول تماماً. الوجع اللي في جنبي مابقاش يوجع، بقى علامة فخر، وسام على جسمي بيفكرني إني قدرت أقف ضد التيار وأنا في قمة ضعفي.
فتحت كتاب وبدأت أقرأ، والطيارة بتخترق السحاب.. الشمس كانت طالعة وشكلها يجنن من الشباك. مكنتش عارفة بكره فيه إيه، ولا هعيش فين بالظبط، بس كنت متأكدة من حاجة واحدة.. إن فريدة اللي بدأت الرحلة دي، عمرها ما هترجع "عبء" على حد تاني.
أنا النهاردة مش بس نجيت من حادثة طريق، أنا نجيت من قدر كان مرسوم لي بالمسطرة عشان أكون مجرد "كومبارس" في حياة غيري. النهاردة أنا البطلة، والكاتبة، وصاحبة القصة.. والقصة لسه في أول فصل فيها.
تمت
بقلم
Engy Elkhatib