جبروت اهلي بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

فوقت في سرير في المستشفى وفي الم شديد وخياطة في جنبي ولاقيت نفسي فقدت كلية - وبعدين سمعت ماما وهي بتهمس للدكتور "خد التانية كمان حياة سليم اخوها أهم منها". بابا وصفني بالعبء عليه و أخويا مكنش بيقول أي حاجةًً في اللحظة دي، عرفت إن الحادثة مكنتش أسوأ شيء حصللي. عيلتي كانت هي الحادثة الاسوء في حياتي افتكروا إني كنت محطمة جداً لدرجة إني مش هقدر أقاوم... بس مكنش عندهم فكرة إني كنت سامعة كل حاجة.
​اسمي فريدة، وفي الليلة اللي انتهت فيها حياتي القديمة بدأت بمطر كان بيخبط في ازاز العربية اللي قدام بقوة لدرجة إنه كان باين كأنه حصى. أخويا الكبير، سليم، كان سايق بسرعة كبيرة جداً، إيد على الدريكسيون والتانية على موبايله، وبيضحك على حاجة أنا مسمعتهاش أبداً. فاكرة إني قولتله يهدي السرعة. فاكرة الكشافات اللي كانت جاية علينا مباشرة. وبعدها مابقتش فاكرة أي حاجة خالص.
​لما فوقت، العالم كان عبارة عن حيطان بيضا، ومطهر ريحته نفاذة، ووجع عميق جداً لدرجة إني حسيت إن عضمي اتملى قزاز مكسر. صدري كان متغطي بالشاش. وجنبي كان بيحرقني في كل مرة باخد فيها نفسي. صوت الجهاز اللي جنبي كان كأنه بيعد عد تنازلي لثواني حياة أنا مكنتش عارفة ملامحها. حاولت أتحرك وكنت هفقد الوعي. وقتها عرفت إني نجيت من حادثة كبيرة، وإصابات داخلية كتير، وجراحة طوارئ. وخسرت كمان كلية واحدة.
​في الأول، كنت فاكرة إن بابا وماما هيحسوا بالراحة

لأني لسه عايشة. كنت فاكرة إن ماما هتعيط لما تشوفني. كنت فاكرة إن بابا هيمسك إيدي ويقولي إني في أمان. لكن بدل كل ده، وقبل ما حد فيهم يدخل أوضتي، سمعت صوتهم من ورا الباب الموارب.
​كانوا بيكلموا الدكتور.
​مش عن شفائي. ومش عن لو كنت بتألم. ومش عن لو كنت خايفة.
​كانوا بيسألوه لو ينفع يدوا كليتي اللي فاضلة لسليم اخويا
​الدكتور كان باين عليه مش مرتاح، بس ماما ضغطت عليه أكتر. قالت إن سليم وراه مستقبل كبير وهو الوريت الولد ليهم اللي شايل اسم العيلة و يستحق يتنقذ اكتر مني وإني طول عمري كنت ضعيفة أصلاً. بابا وصفني بالعبء. ماما قالت إني لو "عملت أخيراً حاجة ليها قيمة للعيلة دي"، فممكن وقتها حياتي تكون مهمة. كنت مرمية هناك مش قادرة أتنفس، متلجة تحت غطا المستشفى، وبسمع الناس اللي المفروض يحبوني وهما بيناقشوا لو كان موتي هيكون تمن عادل عشان أخويا ياخد فرصة تانية.
​بعدها بشوية، سمعت اللي أوحش. كانوا بيتكلموا فعلاً عن فلوس التأمين اللي هياخدوها من الحادثة. مش عشان علاجي.ولا عشان تأهيلي الطبي. ماما كانت عايزة خاتم ألماظ. بابا قال إنهم يستحقوا شوية راحة بعد "كل الضغط" اللي عاشوه.
​بصيت للسقف وعرفت إن الحادثة مقتلـ*ـتنيش.
​عيلتي هي اللي عملت كدة فيا
​ولما بدأت أوكرة الباب تتحرك و تلف ببطء، فهمت إني لو مأنقذتش نفسي في اللحظة دي، مفيش أي حد تاني في الطرقة دي هييجي ينقذني.......
***************
دخلت
ماما ومعاها بابا وسليم، وشوشهم كانت باين عليها الحزن المصطنع، بس عيونهم كانت بتلمع بلهفة مريبة. ماما قربت مني وحطت إيدها على راسي بتمثيل متقن وقالت: "حمد الله على سلامتك يا حبيبتي، قدر ولطف.. بس يا فريدة، سليم أخوكي تعبان قوي، والدكاترة بيقولوا إن حالته صعبة ومحتاج متبرع فوراُ.. وإنتِ عارفة إن مفيش حد أنسب منك ينقذه".
​بصيت لها في عينيها مباشرة، وبصيت لبابا اللي كان واقف بعيد بيحسب الحسبة في دماغه، وسليم اللي مش قادر يحط عينه في عيني. الوجع اللي في جنبي كان بيفكرني كل ثانية اللي سمعتها، بس المرة دي الوجع كان هو قوتي.
​سكت شوية لدرجة إن القلق بدأ يبان على وشوشهم، وبعدين قولت بصوت هادي وواضح: "أنا سمعت كل حاجة".
​الجو في الأوضة اتجمد. ماما سحبت إيدها كأنها اتلسعت، وبابا وشه جاب ألوان. كملت كلامي وأنا ببتسم بوجع: "سمعت موضوع الكلية التانية، وسمعت وصف 'العبء'، وكمان سمعت تقسيم فلوس التأمين والخاتم الألماظ.. الحادثة فعلًا مقتلتنيش، بس أنتوا قتلتوا جوايا أي ذكرى حلوة ليكم".
​سليم حاول يتكلم: "فريدة، إنتِ فاهمة غلط، إحنا بس كنا..."
​قاطعته بقوة: "إحنا بس كنا إيه يا سليم؟ كنتوا بتتاجروا بأعضائي وأنا لسه بين الحياة والموت؟". بصيت لبابا وقولتله: "فلوس التأمين يا بابا مش هتشوف منها مليم، لأني طلبت المحامي بتاعي ومضيت توكيل رسمي بإن كل مستحقاتي وتعويضاتي تروح لحساب خاص بيا أنا وبس.. وماما،
الخاتم الألماظ اللي نفسك فيه، تقدري تجيبيه من بيع طقم الدهب اللي سليم هيحتاج تمنه عشان يدور على متبرع غريب.. لأن مفيش حتة مني هتلمس جسمه بعد النهاردة".
​قومت من مكاني ببطء رغم الوجع، وسندت على حرف السرير وأنا بقولهم ببرود: "دلوقتي، اتفضلوا اخرجوا بره.. ومن اللحظة دي، العبء ده قرر إنه يشيل نفسه بنفسه.. بعيد عنكم".
​خرجوا من الأوضة وهما مكسورين، مش عشان ندموا، لكن عشان السبوبة ضاعت. ولأول مرة من وقت الحادثة، حسيت إني قادرة أتنفس بجد، مكنتش بس بنقذ حياتي، كنت بنقذ روحي اللي حاولوا يكسروها.
*****************
بعد ما خرجوا، الأوضة بقيت هادية هدوء مخيف، بس لأول مرة الهدوء ده مكنش بيخنقني، كان بيخليني أفكر بوضوح. عرفت إن المواجهة دي كانت مجرد بداية، وإن اللعب مع عيلة زي عيلتي محتاج نفس طويل وذكاء.
​طلبت الممرضة وبمنتهى الهدوء قولت لها إني مش عايزة أي حد يدخل الأوضة دي غير المحامي بتاعي والدكتور المسؤول عن حالتي بس، ومنعت عنهم أي زيارة تانية. لما المحامي جه، كان مذهول من قوتي وأنا لسه بدماداتي، بس مكنش يعرف إن الغدر بيخلي الواحد يقف على رجله غصب عنه.
​"فريدة هانم، حضرتك متأكدة من الخطوات دي؟" سألني وهو بيراجع الورق.
​بصيت له بثبات وقولت: "يا متر، أنا مش بس عايزة أمنعهم من الفلوس، أنا عايزة أرفع قضية إهمال طبي ضد أي محاولة للضغط على الدكاترة هنا، وعايزة قرار منع تعرض.. أنا مش عايزة أشوف
وشوشهم تاني."

تم نسخ الرابط