الوعد بقلم انجى الخطيب

لمحة نيوز

"قولي لابوكي يوفي بالوعد" كانت هذه الكلمات هي آخر ما سمعته "نور" قبل أن يختفي الظل الملثم من خلف نافذة غرفتها في الطابق الثالث، تاركاً خلفه رائحة كبريت غريبة وظرفاً أسود مختوماً بالشمع الأحمر. تجمدت الدماء في عروق نور وهي تنظر إلى والدها، ذلك الرجل الهادئ الذي يعمل أميناً للمخطوطات في المكتبة الوطنية، والذي شحب وجهه فجأة حتى أصبح بلون الورق القديم وسقط الفنجان من يده ليتنثر الحطام على السجادة الفارسيّة. لم ينطق بكلمة، بل اتجه مباشرة إلى خزانته السرية وأخرج منها مفتاحاً صدئاً لم تره من قبل، بينما بدأت أضواء الشارع بالخفوت بشكل غير طبيعي وصمتت أصوات المدينة تماماً وكأن العالم توقف عن الدوران. فجأة، دوى جرس الباب بضربات منتظمة وقوية، ضربات لم تكن لبشر، ومع كل دقة كان جدار البيت يتشقق كأنه مصنوع من ورق، ليدرك كلاهما أن العقد الذي كُتب قبل عشرين عاماً بالدم والحبر المسحور قد حان موعد سداده، وأن ما استعاره الأب من "خزانة الأسرار" لإنقاذ حياة ابنته وهي رضيعة، يطالب الآن بالثمن، والثمن لم يكن مالاً، بل كان شيئاً أعظم لا يملكه إلا الأحياء الذين عبروا حدود الموت وعادوا.
By Engy ELkhateb ✍️ 
اندفع الأب نحو نور وجذبها من ذراعها بقوة لم تعهدها فيه، هامساً بصوت متهدج "لا تفتحي الباب مهما

سمعتِ من أصوات، ولا تنظري في عينيّ من يدخل"، لكن الباب لم ينتظر إذ انخلع من مفصلاته بصمت مرعب وسكنت مكانه كتلة من الضباب الكثيف الذي بدأ يتشكل على هيئة رجل طويل يرتدي معطفاً يقطر ماءً أسود رغم جفاف الجو. تقدم الزائر بخطوات لا صوت لها، تاركاً خلفه آثار أقدام محروقة على الأرضية الخشبية، وتوقف أمام الأب الذي انهار على ركبتيه فاتحاً كفيه كمن ينتظر القيد. "لقد أعطيتك عشرين عاماً من النور يا (عز الدين)، والآن ابنتك ترى وتسمع وتتنفس بفضل ما سرقته منا، فهل تظن أن الورق يحترق دون رماد؟" قالها الزائر بصوت يشبه حفيف الشجر اليابس. شعرت نور فجأة ببرودة تجتاح صدرها، وكأن قلبا من ثلج بدأ ينبض مكان قلبها، واكتشفت أن الظرف الأسود الذي تركه الملثم بدأ يتوهج في يدها، وبدأت كلمات قديمة تظهر على جلد ذراعيها وتختفي بسرعة البرق. أدركت نور في تلك اللحظة أن الوعد لم يكن مجرد دين مالي، بل كان مقايضة على "روحها" التي لم تكن ملكاً لوالدها ليعطيها، وأن السر الذي يخفيه والدها في قبو المكتبة الوطنية هو الوحيد الذي قد يفسخ هذا العقد أو ينهي حياتهما معاً قبل شروق الشمس.
By Engy ELkhateb ✍️ 
مزقت نور الظرف الأسود بيديها المرتجفتين، لتجد بداخله "ريشة طائر" مصنوعة من معدن بارد وقصاصة ورق تحمل إحداثيات جغرافية
تشير إلى سرداب مهجور تحت أنقاض المكتبة القديمة. في تلك اللحظة، صرخ الزائر الغامض صرخة صامتة هزت أركان الغرفة، وبدأ جسده يذوب في الضباب محاولاً سحب الأب معه إلى العدم، لكن نور لم تتردد؛ طعنت الريشة المعدنية في منتصف الظل الممتد نحو والدها، فانبثق ضوء أبيض باهر أجبر الكيان على التراجع للحظات. "اركضي يا نور! القبو ليس لحفظ الكتب، القبو هو الباب!" صرخ والدها وهو يحاول مقاومة الجذب المغناطيسي نحو الفراغ. لم يكن أمامها خيار سوى الفرار عبر أزقة المدينة التي بدأت ملامحها تتغير، حيث تحولت الشوارع إلى دهاليز ضيقة من الكتب العملاقة التي تهمس بأسرار عائلتها. وصلت إلى الإحداثيات المذكورة لتجد باباً حديدياً لا يفتح إلا بقطرة من دمها، وما إن دخلت حتى وجدت نفسها في قاعة مليئة بالمرايا التي لا تعكس صورتها الحالية، بل تعكس النسخ التي كان من المفترض أن تكون عليها لو لم يتدخل والدها ويغير قدرها بالسحر. في وسط القاعة، كان يقبع "كتاب العهود"، وحوله حراس بلا وجوه ينتظرون وصولها، مدركةً أن كسر الوعد يتطلب منها تدمير "النسخة الحية" التي تعيشها الآن، أو إيجاد ثغرة في قانون السحر القديم تقلب الطاولة على الزائر وتجعله هو المديون لها.
By Engy ELkhateb ✍️ 
اقتربت نور من "كتاب العهود" والريشة المعدنية في
يدها تنبض بحرارة شديدة، بينما التف حولها الحراس بلا وجوه كأشباح تحاصر فريسة، لكنها لاحظت شيئاً غريباً في المرايا المحيطة؛ كلما تحركت، كانت انعكاساتها في المرايا تتحرك بتأخير ثانية واحدة، وكأن الزمن في هذا المكان ليس إلا خيطاً يمكن التلاعب به. تذكرت كلمات والدها عن "خزانة الأسرار" وأدركت أن الريشة ليست سلاحاً للقتل، بل هي قلم لكتابة النهايات. صرخت في وجه الزائر الذي بدأ يتجسد من جديد خلفها: "أنت لم تبع لوالدي حياة، أنت أقرضته وقتاً مستقطعاً من عمرك أنت!" ومع هذه الكلمات، غرزت الريشة في صفحة بيضاء فارغة داخل الكتاب، وبدأت تكتب بسرعة جنونية "تم سداد الدين من عمر السائل"، فجأة انقلبت الآية، وبدأ الزائر يصرخ صرخات تمزق الصمت، حيث بدأت هيبته تتلاشى وجسده ينكمش ليتحول إلى حبر أسود يمتصه الكتاب. انهار القبو تحت وقع انفجار من الضوء، ووجدت نور نفسها فجأة واقفة في صالة منزلها، والدها بجانبها يتنفس بصعوبة لكن وجهه استعاد لونه الطبيعي، والحطام على الأرض قد اختفى وكأن شيئاً لم يكن. نظرت نور إلى كفها لتجد علامة صغيرة تشبه الريشة قد حُفرت في جلدها، لتعلم أن العقد قد فُسخ فعلاً، لكنها الآن أصبحت الحارس الجديد للكتاب، وأن من يوفي بالوعد اليوم قد يضطر لطلب ثمنه غداً من شخص آخر.
بقلم انحي الخطيب
...
.... تمت......

تم نسخ الرابط