فخ الزيت بقلم انجي الخطيب
حماتي دلقت الزيت على الأرض، ومثلت إنها وقعت، وفضلت تصوت وتعيط وهي بتتهمني إني نصبت لها فخ عشان أخلص منها. جوزي صدقها، والدم ضرب في نفوخه، وطردني من البيت في لحظة غضب.
أنا كنت عارفة إن حماتي فوزية مش بتبلعني، بس عمري ما تخيلت إنها ممكن ترمي نفسها على أرضية المطبخ بالمنظر ده وتفدي هدومها وجسمها لمجرد إنها تخرب بيتي.
الموضوع حصل في ليلة شتا بتمطر والجو تلج في شقتنا اللي في التجمع. كنت واقفة بجهز العشاء، وجوزي أحمد كان فوق في الأوضة عنده ميتنج شغل مهم. فوزية كانت جاية تطمن علينا، وده في قاموسها معناه إنها تلف في الشقة زي المفتش، وتطلع القطط الفطسانة في كل حاجة، من أول رصة الفوط لحد تتبيلة الفراخ. ليلتها كانت عمالة تلف حواليا في المطبخ، وبتبصلي بابتسامة صفرا من اللي بتقبض قلبي.
بصت للطاسة وقالت لي بلؤم إيه يا بنتي كل الزيت ده؟ حرام عليكي صحة ابنِي.
رديت وأنا بحاول أكتم غيظي عارفة بعمل إيه يا طنط، متقلقيش.
نفخت بضيق وقالت أهي طريقتك دي هي اللي مخليا الواد أحمد طول عمره مضغوط وأعصابه سايبة.
جزيت على سناني وسكت. أحمد فعلًا كان مخنوق بقاله فترة عشان شركته كانت خسرانة مناقصة كبيرة، بس فوزية كانت شايفة إن أنا السبب في أي مصيبة تحصل له، ده لو المطر أخرته عن شغله كانت بتمسكني أنا تقطعني.
لفيت وشي للبوتجاز ثواني معدودة، كفاية جدًا إني أسمع صوت تششش حاجة بتتدلق ورايا. ببص لقيت خط زيت رفيع مسحوب على السيراميك قدام التلاجة. وقبل ما أنطق بكلمة، لقيت فوزية دخلت فيه برجليها، ورفعت إيديها في الهوا، ورزعت نفسها رزعة في الأرض صرخت معاها صرخة هزت العمارة كلها.
فضلت تولول وتصوت يا لهوي يا غلبي! عملتها فيا يا أحمد! إيميلي كانت عايزة تكسر لي وسطي!
وقفت مكاني مذهولة إيه؟ لا طبعًا! إنتي اللي دلقتي الزيت بإيدك!
أحمد نزل جري من فوق وهو مخضوض أمي! في إيه؟
فوزية مسكت جنبها وفضلت تنهنه قلت لها يا ابني إني مش مرتاحة، فضلت تبص لي بشر وتبرق لي، وبعدين راحت دالقة الزيت في الأرض واستنتني لما أدوس عليه عشان أقع القعة دي.
زعقت فيه ده كدب يا أحمد! أنا شوفتها وهي بتدلقه!
بس هو كان خلاص نزل على ركبه جنبها، والخوف عليها اتحول لغل وعينيه بقت تطلع شرار. فوزية خبت وشها في كتفه وزي ما تكون طفلة مكسورة الجناح وقالت بشهقة هي عايزة تخلص مني يا ابني.. كانت عايزة تموتني.
أحمد قام وقف وبص لي بصه غريبة، كأنه أول مرة يشوفني إنتي إيه اللي جرالك؟ للدرجة دي؟
قلبي سقط في رجلي أحمد، اسمعني بس..
قاطعني بزعيق مش عايز أسمع نفس! أمي مرمية على الأرض بسببك وانتي لسه بتجملي في كلامك!
جيت أقرب منه وأنا بترجاه، راح مشاورلي بإيده ناحية باب الشقة وقال بكلمة واحدة برا.
ضحكت من الصدمة إنت بتتكلم بجد؟ بتطردني؟
صوته جاب لآخر الشارع اطلعي برا بيتي حالًا بدل ما أعمل حاجة نندم عليها إحنا الاتنين!
جسمي كله سقع من كتر القهر. فوزية بصت لي من ورا دموعها، وفي لحظة، لمحتها.. لمحت ابتسامة نصر خبيثة مرسومة على شفايفها.
أحمد دخل جاب شنطة هدومي من الدولاب، رماها قدام الباب على السلم، وصرخ فيا امشي!
وأنا واقفة في وسط المطر، مكسورة ومذلولة، عيني جت بالصدفة على الكاميرا السوداء الصغيرة اللي فوق باب الشقة.. الكاميرا اللي أحمد لسه مركبها الشهر اللي فات، والعدسة
أول ما شفت الكاميرا، حسيت بكهرباء مشيت في جسمي كله. الدموع اللي كانت محبوسة في عيني نشفت فجأة، وحل مكانها برود غريب. بصيت لأحمد وهو بيقفل الباب في وشي بكل غل، وسمعت صوت التكة بتاعة المفتاح وهي بتجرح قلبي.
وقفت دقيقة مكنتش سامعة فيها غير صوت المطر وصوت ضربات قلبي اللي بتدق في ودني. مسكت شنطتي اللي كانت غرقانة مية، وبدل ما أنزل وأجري على بيت أهلي وأنا بعيط، طلعت الموبايل من جيبي وإيدي بتترعش.
فتحت الأبلكيشن بتاع السيستم اللي مربوط بكاميرات الشقة. أحمد كان عامل لي Access عليه من يوم ما ركبه عشان أحس بالأمان وأنا لوحدي. قعدت على السلم، والجو كان تلج، بس ناري كانت مخلية جسمي قايد. فضلت أرجع في الوقت.. الساعة ٧١٠.. ٧١٥.. أيوه! هي دي!
الفيديو كان واضح زي الشمس. فوزية وهي واقفة بتتلفت يمين وشمال زي الحرامية، وهي بتطلع إزازة الزيت من ورا ضهرها وتدلقها ببرود، وبعدين شالت الإزازة خبتها ورا التربيزة، واستنت أول ما أنا لفيت وشي، وراحت رامية نفسها وهي بتصوت بمنتهى الإتقان.
في اللحظة دي، سمعت صوت جوه الشقة.. صوت فوزية وهي بتقول بنبرة واطية بس واصلة لي خلاص يا حبيبي، اهدا، هي أصلاً مكنتش وش خير عليك، بكرة نلاقي لك ست ستها اللي تصونك وتصون أمك.
أحمد رد بصوت مكسور أنا مش مصدق إنها تعمل كدة يا أمي.. دي كانت روحي.
مقدرتش أمسك نفسي. قمت وقفت وخبطت على الباب بكل قوتي. خبطات رزع خلت أحمد يفتح الباب وهو وشه أحمر وعروقه بارزة إنتي لسه هنا؟ إنتي معندكيش دم؟ قولتلك غوري من هنا!
بصيت له بمنتهى الثبات،
أحمد في الأول كان بيبص بزهق، بس أول ما شاف فوزية وهي بتدلق الزيت، ملامح وشه بدأت تتغير. لونه خطف، وعينه وسعت لدرجة إنها كانت هتطلع من مكانها. فوزية كانت واقفة وراه، أول ما شافت الموبايل، وشها بقى أصفر زي الكركم، وبدأت تتلعثم ده.. ده.. أكيد البتاع ده متفبرك! يا أحمد متصدقش، دي عايزة توقع بيني وبينك!
أحمد كان ساكت تماماً، الصمت اللي يسبق العاصفة. بص للفيديو، وبص لأمه اللي كانت لسه بتعرج بتمثيل بائس، وبعدين بص لي أنا.. وأنا غرقانة في مطر الشارع ومطر ذلي.
رميت الشنطة من إيدي على الأرض وقلت له بصوت واطي ومسموع البيت ده أنا مش هدخله تاني، والراجل اللي يطرد مراته في المطر عشان كلمة أمه الكدابة، م يلزمنيش أبقى على ذمته ثانية واحدة.
لفيت ضهري وكنت لسه هنزل أول درجة، لقيت إيد أحمد بتمسكني بلهفة، بس المرة دي كانت إيده بتترعش أكتر من إيدي.
زقيت إيده عني بمنتهى القسوة، وبصيت له بصه خلت جسمه يتنفض. إيدك متلمسنيش يا أحمد.. اللي يصدق على مراته إنها مجرمة ويطردها في نص الليل بالمنظر ده، ميبقاش راجل في نظري.
فوزية لما لقت المركب بتغرق، بدأت تولول بصوت عالي وتلطم على صدرها يا مصيبتي! بقى بتصدق الموبايل والحديد وبتكذب أمك يا أحمد؟ دي ساحرة لك! دي عاملك عمل على الموبايل ده عشان تشوفني كدة!
أحمد لف لها، وصوته طلع مكتوم بس كان مرعب بس يا أمي.. خلاص.. كفاية كذب لحد كدة.
راح ناحيتها وهو بيعرج من كتر الصدمة، مسك إزازة الزيت اللي كانت مخبياها ورا التربيزة ورفعها قدام وشها ودي كمان فوتوشوب؟ والزيت اللي على هدومك ده إيه؟